تراث يتناغم مع المستقبل… للبعض فقط
هل ستدفع جاكوار ثمن فقدان الهوية التصميمية مرة أخرى؟
بالإضافة إلى الملابس والأكسسوارات الشخصية كساعة اليد أو النظارات، فإنّ السيارة تكاد تكون الآلة الوحيدة التي يرغب بها الإنسان، لا لمجرد الوظيفة التي تؤديها، بل كي تعكس شخصيته وترضي رغبته باستخدامها لمجرد الإستخدام وليس فقط كي ينال النتيجة التي تأتي من إستخدامها.
ومع ظهور صناعة السيارات كوسيلة نقل ذاتية الدفع، تعد بمثابة تطور لوسائل نقل كانت موجودة أصلاً، كعربات الخيل، القطارات أو العربات البخارية، ظهرت معها رغبة الصانعين بإنتاج ما يُعبّر عن رؤيتهم للشكل الذي يجب أن تكون عليه السيارة، إنطلاقًا من شغف وليس فقط بهدف الكسب المادي عبر صناعة تسمح لهم بلعب دور في عالم النقل الخالي من المشاعر.
جاغوار تايب 01
وبذلك، ولدت علامات تجارية بمنتجات هي أشبه بعمل فني لا يقل أهمية عن الرسوم والمنحوتات، بل تتميز فقط عن هذه الفنون بأنها تؤدي وظيفة معيّنة، بالإضافة إلى جمالية حركتها وخطوطها الساحرة، والأهم هو أنها أتت منبثقة من شخصية صانعيها وتعبر عن رؤيتهم الثاقبة، تلك الرؤية التي تحوّلت مع مرور الزمن إلى تراث خاص بتلك العلامة التجارية. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، فإنّ رولز-رويس هي السيارة الفاخرة ذات الصبغة الملكية لا مجرد وسيلة نقل مريحة، أما فيراري فهي الحسناء الإيطالية المثيرة ذات الصوت الشجي والأداء الممتع لا مجرد وسيلة نقل سريعة.
هذا التراث اليوم لا يقدر بثمن، وهو جوهر نجاح أي علامة تجارية تطمح للتميز، وهو تمامًا ما أدركته ألفا روميو مع طراز كويري روسو، وبورشه مع طراز ميشين أس، فالإيطالية هي السيارة الفاتنة المعزّزة بمحرك احتراق داخلي هادر، أما الألمانية فهي الرياضية الخارقة التي تنازلت عن هندسة المحرك الخلفي لصالح محرك وسطي التثبيت دون أن تتنازل عن الشخصية البارزة والخطوط الحصرية لشقيقتها الأسطورية 911، أي بإختصار، التمسك أكثر فأكثر بالتراث الذي وُلد في الماضي واستمر حتى يومنا هذا دون الإكتراث لما تقوله بعض الدراسات التي تدّعي بأنّ سيارات الماضي لا مكان لها في المستقبل، وأنّ العلامة التجارية التي ترغب بالبقاء هي تلك التي يتوجب عليها التنكر لتراثها وعدم حمل منه سوى التسمية الفارغة من مضمونها.
تتمتع ميشين أس بخطوط مستقبلية وفية لتراث بورشه
جاكوار في المقابل لها اليوم رأي آخر، فبعد مجد عرفته طرازاتها منذ تأسيسها حتى موعد خروج آخر نسخ طراز أكس كي عن خطوط الإنتاج في العام 2014، بسبب خطوطها الخارجية الساحرة التي تجعلها تبدو قادمة من عالم الخيال، مع صبغة أرستقراطية بريطانية واضحة سمحت لها بأن تبدو أكثر فخامة وقيمة من الفئة التي تنافس فيها، كطراز أكس جي الذي كان يبدو أعلى قيمة بنسبة كبيرة من أي سيارة منافسة لها على صعيد السعر في زمانه، قررت الشركة الاستمرار في صالات العرض مع سيارات خالية من أي سحر مظهري مع غياب تام للتراث التصميمي الذي عرفناه في الماضي وعشقناه، وبذلك باتت طرز أكس أف، أكس أي ومن بعدها مركبات الدفع الرباعي اف-بايس وأي-بايس سيارات غير قادرة على التميز ليس فقط إلى جانب سيارات العلامات التجارية المنافسة كـ بي أم دبليو، أودي ومرسيدس، بل حتى إلى جانب سيارات تنتمي إلى علامات تجارية أقل قيمة.
جاغوار تايب 01
وبطبيعة الحال، إنعكس ذلك على مبيعات سيارات القط البريطاني، ولكن رغم أنّ هناك من قد يعتبر البعد عن التراث ليس وحده الأمر السلبي الذي أثر على مبيعات الشركة، بل هناك عوامل اقتصادية وفنية مختلفة ربما لعبت في غير مصلحة جاكوار، وهذا صحيح بالتأكيد، إلا أنّ للماضي أيضًا برهان واضح على أهمية التراث أو الرؤية المميزة للعلامات التجارية ومنها جاكوار. فخلال السنوات الطويلة التي كانت تبني فيها جاكوار تراثها المجيد، كانت سياراتها تعاني من مشاكل ميكانيكية وفنية لا تعد ولا تحصى، حتى قيل فيها مرة "أنّ سيارات الصانع البريطاني تمضي في ورش الصيانة وقت يفوق الوقت الذي تمضيه مع مالكها على الطريق، أو في مرآب المنزل" إلا أنّ ذلك لم يؤثر بالشكل السلبي الذي تأثرت به المبيعات بعد التنكر للتراث.
ولعل المثال الأكبر هو ما يحصل اليوم مع الشقيق رينج روفر الذي يتمتع حاليًا بمبيعات مرتفعة للغاية رغم المنافسة الضارية التي يتعرض لها، ورغم المشاكل الفنية التي تواجهه، فهل هو الأفضل على الصعيد الميكانيكي؟ لا. هل هو الأكثر رحابة؟ لا. هل هو الأكثر فخامة؟ أيضًا لا. ولكنه صاحب الشخصية الأبرز والأكثر جاذبية في عالم مركبات الدفع الرباعي المتعددة الإستخدام الفاخرة، تلك الشخصية التي بُنيت على مدى أكثر من خمسين عامًا، أي بكل بساطة التراث الذي نتحدث عنه.
جاغوار تايب 01
واليوم، تعود جاكوار إلى رحاب الإنتاج التجاري، بعد تغيير استراتيجيتها لتنافس في قطاع أكثر فخامة، قطاع لم تنافس فيه سابقًا رغم أنها مظهريًا ربما انتمت إليه على أيام طراز أكس جي، أكس كي، أي تايب وغيرهم، وهذا قد يكون بمثابة التطور الطبيعي لعلامة تجارية مميزة ترغب بأن تصبح أكثر تميزًا، إلا أنّ هذا هو بالعنوان فقط، فبعد حملة إعلانية ركزت على العديد من السمات التي لا نرغب بذكرها هنا (ولكنكم تفهمون ما أقصد طبعًا) ظهر الطراز الاختباري تايب 00 بخطوط خارجية يتراوح مظهرها بين مظهر علبة لتخزين الحاجيات وبين مدفئة أو جهاز تكييف، مع الإدعاء بأنّ هذا التصميم هو لأن جاكوار سعت طوال عمرها لتحدي التقليد، وأنها تطمح لاستقطاب أجيال المستقبل، وكأن تحدي التقليد يقضي بأن لا نبذل وقت في تصميم سيارة، وكأن بوادر أجيال المستقبل لا تقبع في فضاء التواصل الإجتماعي الذي عبّر صراحة عن عدم فهمه لتصميم تايب 00 (أن لم نكن نريد أن نقول أنه انتقده بشدة)، سواء بحلته الإختبارية أو الجاهزة للإنتاج التجاري التي كُشف عنها مؤخرًا تحت تسمية تايب 01.
ألفا روميو كوري روسو بخطوطها الساحرة وشخصية المفعمة بشغف ألفا روميو
فمن هو على صواب؟ رينج روفر المتمسك بتراثه والذي إنتقل مؤخرًا إلى عصر الكهرباء مع فئات كهربائية حافظت على نفس تصميم الجيل الأحدث القاطع للأنفاس دون أي تغيير يذكر، بورشه مع طراز ميشين أس المستوحى من تراث أسطوريتها 911، ألفا روميو التي جمعت بسحر قوامها الماضي مع المستقبل بأبهى حلة، أم جاكوار التي ربما لم تعد تحمل من تراثها سوى الاسم؟ وحدها السنوات القادمة هي الكفيلة بالإجابة على هذا السؤال.
موصى به لك
جاكوار توضح سبب اضطرارها للتخلي عن جميع سياراتها التي تعمل بالوقود
السيارة التي تهدف لإحياء فيات مولتيبلا الغريبة قد تتحول إلى واقع إنتاجي
الكشف عن جاكوار تايب 01: أقوى سيارة مخصصة للطرقات في تاريخ العلامة التجارية
يمكنك الأن اقتناء سيارة ،ألفا روميو جوليا، طراز 1967 الفريدة، المصممة على نمط سيارات سباقات لومان.
سيارة تسلا رودستر الجديدة تعيد ابتكار المصابيح الأمامية القابلة للطي - أو شيئاً يشبه ذلك
مرسيدس تعترف بأنها قللت من شأن عشاق محركات V8، وتلمح إلى مفاجأة تتعلق بمحركات V12
ما الذي يجعل السيارات الصينية تحظى بكل هذه الشعبية؟