انتقل إلى المحتوى الرئيسي

شارك برأيك من خلال التعليق على المقالات.

انسَ الأجنحة، فهذه السيارات الخارقة تستخدم مراوح ضخمة لتوليد قوة ضغط سفلية

تستخدم بعض السيارات الخارقة مراوح قوية لتوليد تماسك هائل عند أي سرعة. إليك كيف تقوم هذه السيارات حرفياً بـ شفط نفسها نحو الطريق.

اختبار نيكي لاودا النهائي لشركة جوردون موراي للسيارات T.50s
الصورة بواسطة: Gordon Murray Automotive

تعتمد معظم السيارات الخارقة على أجنحة خلفية ضخمة، ومشتتات هواء، وهياكل مصممة بعناية فائقة لتوليد قوة ضغط سفلية. لكن بعض السيارات ذات الأداء الأكثر تطرفاً في العالم تتبع نهجاً مختلفاً تماماً، إذ تستخدم مراوح عملاقة لـ شفط السيارة حرفياً نحو سطح الطريق.


قد يبدو الأمر سخيفاً، لكن هذه التقنية حقيقية تماماً. وتفيد التقارير بأن إحدى السيارات الخارقة الحديثة يمكنها توليد قوة ضغط سفلية تزيد عن 4400 رطل (حوالي 2000 كيلوغرام) حتى وهي في حالة سكون تام. تعود هذه الفكرة إلى عقود مضت، حيث كانت إحدى أكثر سيارات سباقات فورمولا 1 إثارة للجدل سباقة في استخدام هذه التقنية.


يُطلق على هذا المفهوم اسم قوة الضغط السفلية المدعومة بالمراوح، وهو ربما أحد أغرب الحلول التي ابتكرها المهندسون لجعل السيارات تسير بسرعة أكبر.


كيف تقوم المروحة فعلياً بشفط السيارة نحو الطريق؟


المبدأ بسيط نسبياً، حيث تعمل مروحة مثبتة في الجزء الخلفي من السيارة (أو بالقرب منه) على سحب الهواء من أسفل هيكلها. يؤدي هذا إلى خفض ضغط الهواء تحت السيارة، بينما يعمل الضغط الأعلى فوقها على دفع السيارة نحو الأسفل. تُعرف القوة الناتجة باسم قوة الضغط السفلية، وهي تزيد من قدرة الإطارات على التماسك مع الطريق.


يمكنك اعتبار الأمر نقيضاً لعمل جناح الطائرة، فبينما صُمم جناح الطائرة لتوليد قوة رفع، تستخدم السيارات التي تعتمد على التأثير الأرضي الجزء السفلي من جسمها لخلق منطقة ذات ضغط منخفض تسحب السيارة نحو الطريق. وكلما تمكن المهندسون من التحكم بدقة أكبر في تدفق الهواء أسفل السيارة، زادت فعالية تأثير الشفط هذا.


كما تعالج هذه المراوح واحدة من أكبر عيوب الديناميكا الهوائية التقليدية، فالأجنحة الخلفية أو مشتتات الهواء تحتاج إلى تدفق هوائي لتعمل، مما يعني أن فعاليتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسرعة السيارة. أما المروحة الميكانيكية، فيمكنها تحريك الهواء حتى عندما تكون السيارة تتحرك ببطء شديد أو حتى وهي متوقفة. وهذا يتيح توليد قوة ضغط سفلية (downforce) هائلة حتى والسيارة في حالة سكون، وهو أمر يستحيل تحقيقه باستخدام الأجنحة التقليدية وحدها.


سيارة ماكمورتري سبيرلينغ (McMurtry Spéirling) تأخذ هذه الفكرة إلى أقصى حدودها


تُعد سيارة ماكمورتري سبيرلينغ -وهي سيارة خارقة كهربائية صغيرة الحجم تعتمد في تصميمها على قوة الضغط السفلية المولدة بواسطة مراوح- أوضح مثال معاصر على هذا المفهوم. فخلافاً للسيارات الخارقة التقليدية التي تعتمد بشكل أساسي على الأجنحة والقنوات الهوائية أسفل الجسم تستخدم سبيرلينغ مروحتين عاليتي السرعة لسحب الهواء من مساحة مغلقة أسفل هيكل السيارة.


والنتيجة مذهلة، إذ تؤكد شركة ماكمورتري أن طراز سبيرلينغ بيور (Spéirling PURE) المخصص للإنتاج قادر على توليد قوة ضغط سفلية تصل إلى 2000 كيلوغرام (4409 رطلاً) حتى والسيارة متوقفة تماماً. وبعبارة أخرى، يمكن لنظامها الديناميكي الهوائي توليد قوة ضغط نحو الأسفل تفوق وزن السيارة نفسها، وذلك قبل أن تبدأ حتى في التحرك، وهو ما يوضحه الفيديو أعلاه.


ويمنح هذا السيارة الكهربائية ذات المقعد الواحد ميزةَ فريدة من نوعها، فهي لا تحتاج إلى الوصول لسرعات عالية حتى تحصل إطاراتها على دعم ديناميكي هوائي هائل. كما تدعي ماكمورتري أن السيارة قادرة على تحقيق تسارع جانبي يصل إلى 3g، وقوة تباطؤ (أثناء الكبح) تصل أيضاً إلى 3g. وتدور مراوح السيارة بسرعة تصل إلى 23,000 دورة في الدقيقة، حيث تسحب الهواء عبر مرشحات (فلاتر) ثم تطرده من الجزء الخلفي للسيارة.


ولا تقتصر هذه التقنية على كونها مجرد حيلة تسويقية، فقد أثبتت سبيرلينغ قدراتها في مهرجان غودوود للسرعة، حيث ساعد تسارعها المذهل وقدرتها الفائقة على التماسك في المنعطفات في جعلها واحدة من أكثر السيارات أداءً إثارة للجدل والاهتمام في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فهي مركبة مصممة خصيصاً للحلبات، وليست سيارة خارقة عادية مخصصة للطرق العامة.


الفكرة أقدم مما قد تظن


إن توليد قوة الضغط السفلية بواسطة المراوح ليس اختراعاً جديداً، فقد ظهر أحد أشهر تطبيقاته المبكرة في سباقات فورمولا 1 عام 1978، عندما صمم غوردون موراي سيارة برابهام ، التي اشتهرت باسم سيارة المروحة.

YouTube video player


استخدمت سيارة برابهام مروحة كبيرة مثبتة في الخلف لسحب الهواء من أسفل الهيكل، بينما ساعدت حواف جانبية (side skirts) في إغلاق المساحة الموجودة تحت السيارة، مما مكن المروحة من خلق منطقة ذات ضغط منخفض للغاية. كانت النتيجة تحقيق ميزة ديناميكية هوائية هائلة، لا سيما عند اجتياز المنعطفات البطيئة، حيث كانت الأجنحة التقليدية وأنظمة التأثير الأرضي (ground-effect) أقل فاعلية.


قاد نيكي لاودا سيارة BT46B نحو الفوز في سباق جائزة السويد الكبرى عام 1978، وهو السباق الوحيد الذي شاركت فيه السيارة ضمن بطولة العالم. أثار التصميم اعتراضات من الفرق المنافسة، مما دفع فريق برابهام (Brabham) في نهاية المطاف إلى سحبها وسط حالة من الجدل. وتظل هذه السيارة واحدة من أكثر التجارب الهندسية رسوخاً في ذاكرة سباقات فورمولا 1.


وفي وقت لاحق، عاد غوردون موراي لاستخدام تقنية الديناميكا الهوائية المدعومة بالمراوح في سيارة الطرقات GMA T.50، إذ تتضمن السيارة مروحة خلفية بارزة بقطر 400 ملم، وهي جزء من نظام متطور يتحكم في تدفق الهواء عبر المشتت الهوائي وحول الهيكل الخلفي للسيارة.


ومع ذلك، ثمة فارق جوهري، فالمروحة في سيارة T.50 لا تكتفي بشفط السيارة بالكامل نحو الطريق كما كان الحال في سيارتي برابهام أو ماكمورتري (McMurtry)، بل تعمل على تعزيز كفاءة الأجزاء السفلية والمكونات الديناميكية الهوائية النشطة من خلال التحكم في تدفق الهواء وتقليل الاضطرابات الهوائية.


لماذا لا تستخدم جميع السيارات الخارقة قوة الضغط السفلي المولدة بواسطة المراوح؟

إذا كانت المروحة قادرة على توليد التماسك (قوة الضغط للأسفل) عند السرعات المنخفضة، قد تبدو هذه التقنية حلاً مثالياً لكل السيارات الخارقة. لكن في الواقع، تفرض هذه التقنية تحديات هندسية تجعل من الصعب تطبيقها في السيارات الرياضية العادية. وتتمثل الاعتبارات الرئيسية فيما يلي:


استهلاك الطاقة: تحتاج المراوح إلى طاقة للعمل؛ إذ قد يتطلب النظام عالي الأداء قدراً كبيراً من الطاقة الكهربائية أو الميكانيكية، مما يزيد من تعقيد السيارة ويقلل من كفاءتها.


الوزن وتوزيع المكونات: تشغل المروحة والمحرك والقنوات والفلاتر والهياكل الداعمة مساحة ثمينة وتضيف وزناً إضافياً؛ لذا يتعين على المهندسين دمج هذه المكونات حول المحرك ونظام التعليق والبطارية وأنظمة التبريد.

التعامل مع الأجسام الخارجية: يمكن للمروحة التي تسحب الهواء من أسفل السيارة أن تجذب أيضاً الغبار والحصى والمياه وغيرها من مخلفات الطريق، مما يجعل وجود فلاتر ومكونات واقية أمراً ضرورياً.

الخلوص الأرضي: يعمل نظام الشفط القوي بكفاءة أكبر عندما يتم التحكم بدقة في تدفق الهواء أسفل السيارة، وهو أمر قد تزداد صعوبته على الطرق غير المستوية، أو عند وجود مطبات، أو مع تغير ارتفاع السيارة عن الأرض.

الضوضاء والمتانة: تؤدي سرعات دوران المراوح العالية جداً إلى توليد ضوضاء وإجهادات ميكانيكية، لذا يمثل ضمان موثوقية النظام للاستخدام المتكرر تحدياً إضافياً.


علاوة على ذلك، يطرح تساؤل حول مدى حاجة السيارات المخصصة للطرق العامة إلى هذا القدر من قوة الضغط للأسفل، فمعظم السائقين لن يصلوا أبداً إلى حدود التماسك الديناميكي الهوائي للسيارات الخارقة التقليدية عند القيادة على الطرق العامة. لذا، تبدو أنظمة المراوح أكثر ملاءمة للسيارات المخصصة للحلبات، حيث يكون لكل جزء من الثانية أهميته، مما يبرر التعقيد الإضافي الذي يرافق هذا النظام.


آراء المتحمسين حول تقنية توليد قوة الضغط للأسفل بواسطة المراوح

يبدي مستخدمو منصة ريديت (Reddit) اهتماماً كبيراً بفكرة توليد السيارة لقوة ضغط للأسفل وهي بالكاد تتحرك. ففي نقاش حول سيارة ماكمورتري سبيرلينغ (McMurtry Spéirling)، عبّر المشاركون في مجتمع r/supercars عن دهشتهم من التماسك الذي توفره المروحة، مشيرين إلى مدى ندرة الحصول على قوة ضغط كبيرة عند الطلب، حتى عند السرعات المنخفضة للغاية.


كما يحظى تاريخ هذه التقنية باهتمام واسع، ففي نقاش حول سيارة برابهام ضمن مجتمع r/F1Technical، ناقش المستخدمون ما إذا كانت السيارات المعتمدة على المراوح تحتاج إلى حواف جانبية لخلق تأثير الشفط، وما إذا كان فقدان هذا الختم الذي يحافظ على الضغط المنخفض قد يثير مخاوف تتعلق بالسلامة. أعادت مناقشة أخرى على منتدى r/formula1 استعراض التاريخ المميز لسيارة BT46B، بما في ذلك فوزها الوحيد في سباق الجائزة الكبرى وانسحابها الطوعي اللاحق.


كما أُبدي تقديرٌ لتطور هذه التقنية. ففي نقاشٍ حول سيارة غوردون موراي T.50 على منتدى r/cars، أشار المعلقون إلى أن مروحتها الخلفية لا تقتصر وظيفتها على توليد قوة ضاغطة، بل تُسهم أيضًا في إدارة تدفق الهواء، وتحسين أداء المشتت، وتقليل مقاومة الهواء في بعض أوضاع التشغيل.


مستقبل السيارات المزودة بمراوح قد يكون كهربائيًا


يمكن لأنظمة الدفع الكهربائية أن تجعل الديناميكا الهوائية المدعومة بالمراوح أكثر عملية. إذ يُمكن للمحرك الكهربائي تشغيل المروحة بشكل مستقل عن سرعة المحرك، مما يسمح للمهندسين بالتحكم في تدفق الهواء بدقة عند الحاجة. وهذا مفيدٌ بشكل خاص لسيارة مثل ماكمورتري سبيرلينغ، التي يُمكن تصميم نظام الدفع الكهربائي ونظام الديناميكا الهوائية فيها معًا منذ البداية.


كما يُمكن أن تصبح أنظمة الديناميكا الهوائية النشطة أكثر تطورًا. بدلاً من تشغيل المروحة بأقصى طاقتها طوال الوقت، يمكن للسيارة تعديل أدائها وفقًا للسرعة وقوة الكبح وتوجيه عجلة القيادة ونمط القيادة. والهدف هو توفير تماسك إضافي عند الحاجة، مع تقليل استهلاك الطاقة ومقاومة الهواء عند عدم الحاجة إليها.

 

كن أول من يعلق! تُظهر سيارة غوردون موراي T.50 بالفعل كيف يمكن للمروحة أن تعمل جنبًا إلى جنب مع المشتتات الهوائية النشطة وأنظمة التحكم في المشتت لتحقيق التوازن بين قوة الضغط السفلي والكفاءة الديناميكية الهوائية. وتأخذ سيارة ماكمورتري سبيرلينغ هذا المفهوم إلى مستوى أعلى من خلال الشفط الحقيقي الناتج عن المروحة، مما يُظهر مدى التماسك الذي يمكن تحقيقه دون انتظار السيارة لزيادة سرعتها.


من غير المرجح أن تحل السيارات المزودة بمراوح محل التصاميم الديناميكية الهوائية التقليدية في عالم السيارات الخارقة. فهي معقدة ومكلفة وتتطلب هندسة دقيقة. ولكن بالنسبة للمصنعين الذين يسعون إلى تحقيق أداء استثنائي على الحلبات، فإن جاذبيتها واضحة. أحيانًا، تكون أسرع طريقة لجعل السيارة تلتصق بالطريق ليست في دفع المزيد من الهواء فوقها، بل في سحب الهواء من أسفلها.