فرسٌ أصيلة للمستقبل
تجربة قيادة بورشه كايين توربو كوبيه
منذ فجر البشرية، ولد مع الإنسان شغف التعلق بوسائل النقل العالية الأداء، تلك الوسائل التي ارتبط بها إرتباطًا عاطفيًا تخطى حدود تلبية الحاجة للإنتقال جغرافيًا. وإذا كانت أولى وسائل النقل هذه هي الحصان، الذي اكتسب الإنسان بفضله مكانة إجتماعية مرموقة تحمل الكثير من معاني الرقي وعزة النفس (الفارس)، فإنّ السيارة الرياضية أتت لتواصل توفير ذلك، وإن بصيغة مختلفة تركز على ما يُعرف بمتعة القيادة الرياضية، تلك التجربة التي حوّلت مسألة الإنتقال بين مكان وأخر من مجرد ضرورة، إلى غاية بحد ذاتها لا علاقة لها بقواعد الجغرافيا، غدا معها الهدف من الإنتقال ليس الوصول إلى جهة معينة، بل قيادة لمجرد القيادة على متن سيارة من عيار مرسيدس أتش بي 35 - أول سيارة رياضية عالية الأداء في التاريخ - مرورًا بفاتنات ساحرات كـ لامبورغيني ميورا، فيراري 250 جي تي أو طبعًا بورشه 911.
وبذلك حافظت السيارة الرياضية على مكانتها المميزة، ليس فقط بين غيرها من السيارات بل حتى بينها وبين غيرها من الآلات. إلى أن بدأت مركبات الإستخدام المتعدد بمزاحمتها على قلوب عشاق الساحرة ذات العجلات الأربع بفضل توفيرها لما يعرف بمتعة التنقل فوق المسارات الوعرة على متن سيارة عائلية شبابية توفق بين متطلبات العائلة وبين شغف إكتشاف المجهول ومتعة الإنخراط بالطبيعة.
ولكن ماذا لو جرى الجمع ما بين عملانية مركبات الإستخدام المتعدد ومواصفاتها الكريمة المتعددة وبين سحر تصميم السيارات الرياضية ومتعة قيادتها؟ بورشه أجابت على هذا السؤال قبل 23 عامًا عندما كشفت عن طراز كايين، ثم اتبعته قبل سبع سنوات بفئة كوبيه من الجيل الثالث ليُعزز ذلك المزيج المثير بين العملانية والروح الرياضية.
المعرض: تجربة قيادة بورشه كايين كوبيه
أما اليوم، فها هي بورشه تقدم الجيل الثاني من كايين كوبيه (ضمن مجموعة فئات الجيل الرابع من كايين بشكلٍ عام) ولكن بحلة كهربائية، فهل لا يزال المزيج السحري بين العملانية والإثارة متوفرًا؟ وهل ستضاف فضائل الدفع الكهربائي إلى معادلة أسطورة بورشه الثانية (كايين) أم أنّ الدفع الكهربائي هذا سيحمل معه نتائج كارثية تفسد ما بنته الشركة خلال السنوات الـ 23 المنصرمة؟ الإجابة فيما يلي:
تجربة قيادة تليق بسيارة بورشه
على الطريق، يلعب نظام التعليق الهوائي، إلى جانب طائفة من تجهيزات بورشه المتطورة، دورًا بارزًا بإخفاء وزن السيارة المرتفع والبالغ 2.5 طن، وهنا يبرز كل من نظام الإلتفاف بالعجلات الخلفية ونظام "أيرو بلايد" النشط الذي يعزز الأداء الهوائي للجسم.
هذا بالنسبة للحركة العمودية والقدرة على التحكم بحركة السيارة الديناميكية، أما خلال الإنطلاق بسرعة، فإنّ قوة 1135 حصانًا كفيلة تمامًا بجعلك لا تشعر بأي تأخر بالوصول إلى سرعاتٍ عالية.
وبذلك توفر لك بورشه كايين كوبيه تجربة قيادة مثيرة لا تفتقر سوى لحضور محرك الإحتراق الداخلي بشخصيته الفذة وإرتجاجاته المحبّبة، ولكن الأمر هنا أشبه بالمقارنة بين الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال على متن الطيران التجاري، فكما أنّ الفائدة الإضافية التي تنالها في الدرجة الأولى لا تبرر فارق السعر الذي يتطلب منك دفعه، كذلك هو الأمر عند مقارنة بورشه كايين كوبيه الكهربائية مع شقيقتها ذات المحرك الهادر، إذ أنّ الكهربائية الجديدة توفر لك أكثر من 80 بالمئة من ما ترغب الحصول عليه على متن كايين كوبيه التقليدية دون الاضطرار لدفع الرسوم الباهظة التي تفرض في الكثير من الأسواق على السيارات المجهزة بمحركات إحتراق داخلي كبيرة، والتي قد تبلغ في بعض البلدان أكثر من 300 ألف ريال سعودي.
ورغم أنّ هذا الأمر قد لا ينطبق على أسواقنا العربية، إلا أنّ بورشه تطور سياراتها لكل العالم وليس فقط الأسواق التي لا تفرض هذا النوع من الضرائب، علمًا أنه في بعض الأسواق قد يكون الفارق بين بورشه كايين الكهربائية وأخرى بمحرك احتراق داخلي كالفارق بين الحصول على السيارة أو عدم الحصول عليها، هذا دون أن نغفل بأنّ ما توفره كايين كوبيه اليوم بفضل التقنية الكهربائية من قدرة على توزيع العزم بين المحورين الأمامي والخلفي بشكلٍ فعّال، فضلًا عن الفعالية الديناميكية الهوائية وطائفة من التجهيزات الرياضية المتطورة التي عودنا عليها الصانع الألماني، هي الأكثر رياضيةً بين جميع السيارات التي حملت يومًا تسمية كايين.
إنّ تاريخ بورشه المجيد ومكانتها العالية في عالم السيارات، بنيا على إبتكار هندسي من الطراز الرفيع ومكانة مرموقة اكتسبت على حلبات السباق، وليس فقط بسبب التصاميم الخارجية الجميلة. ولكن رغم ذلك، حرصت الشركة على توفير خطوط خارجية قد تكون الأجمل بين جميع الخطوط التي توفرت لأي جيل من أجيال كايين، مع إشارات مظهرية واضحة مستوحاة من أسطورة بورشه الأولى والأكبر، أي طراز 911، خاصةً لجهة المقدمة التي تستضيف مصابيح أمامية ضمن حيز بارز ومقدمة غابت عنها شبكة التهوية الواسعة لصالح مساحات بنفس لون جسم السيارة تعزز الحضور الرياضي، علمًا أنّ هذا ساهم إلى جانب عدد من الحلول الديناميكية الهوائية الأخرى، كنظام الـ "أير بلايد" في الخلف بجعل جديدة زوفنهاوزن تتمتع بكفاءة ديناميكية هوائية عالية تبلغ 0.23 سي دس .
أما على الصعيد المظهري، فأيضًا بفضل غياب شبكة التهوية وإنحدار خط السقف في الخلف مع الرفارف العريضة المحيطة بالعجلات الخلفية والانتفاخ الذي يحتوي على نظام الـ "أير بلايد"، يحاكي تصميم كايين كوبيه تصميم شقيقتها الأسطورية 911.
إنّ التركيبة الميكانيكية التي تعتمدها كايين كوبيه الكهربائية هي نفسها المتوفرة لدى الفئة التقليدية، أي محركين كهربائيين واحد على المحور الخلفي وآخر على المحور الأمامي، لتختلف القوة التي يوفرانها تبعًا للفئة المختارة. فإنطلاقًا من فئة القاعدة، يتوفر للسيارة قوة 435 حصانًا، مقابل قوة 657 حصانًا في الفئة S، وصولًا إلى 1139 حصانًا في الفئة الأعلى توربو .
أما في الداخل، فشهدت جودة المواد تحسن كبير بالمستوى مع ما كان يتوفر سابقًا، كما أن التصميم أنيق وعصري، وضعية القيادة رياضية، أما الجديد داخل المقصورة فهي الشاشة المركزية المنحنية التي يمكن من خلالها التحكم بتجهيزات السيارة المختلفة وبنظام المعلومات والترفيه، علمًا أنّ الراكب الأمامي يمكنه أن يستفيد أيضًا من شاشة خاصة به تسمح له بأن يتحكم بجميع التجهيزات التي لا تتعلق بعملية القيادة.
ومن أجل التعويض عن المساحة المفقودة للرؤوس بسبب خط السقف المنحني، ثبتت بورشه المقاعد الخلفية بوضعية أكثر إنخفاضًا كي تسمح بإستقبال ركاب بالغين بكل راحة، الأمر الذي يؤثر على مستويات الرؤية التي تتوفر للركاب في الخلف، إلا أنّ هذا يُعتبر ثمن بسيط مقابل الأداء الديناميكي الذي تتمتع به السيارة وشخصيتها الرياضية الساحرة.
وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن بورشه كايين كوبيه توربو هي اليوم أفضل من أي وقت مضى، وعلى مختلف الأصعدة فهي ربما خسرت ذاك الحضور المثير لمحرك الإحتراق الداخلي، إلا أنها أكتسبت بالمقابل الكثير من العناصر التي من شأنها أن ترضي عاشق الأداء العالي.