لقد كانت مجرد نزهة تلك التي قام بها الطفل أنزو ابن السنوات العشر مع والده خلال العام 1908 لمشاهدة احدى السباقات المحلية المقامة في مدينة بولونيا المحاذية لمودينا، أو على الأقل هذا ما اعتقده الوالد، الا أنه لولا هذه النزهة التي أشعلت شغف السباقات في مخيلة أنزو لما كنتم وكنا نتمتع اليوم بما يُعتبر من أهم ما يرغب به الرجال ألا وهو متعة القيادة الرياضية، تلك المتعة التي لطالما وفرتها سيارات الحصان الجامح.

وعلى ضوء هذا الشغف، كان لا بد لانزو أن يقرر خوض غمار هذا العالم المثير كسائق سباقات ولكن رياح الحرب جرت بعكس ما ترغب السفن، واضطر الإيطالي اليافع للإلتحاق بالجيش اثر اندلاع الحرب العالمية الأولى وبقائه حتى العام 1918 عندما تم تسريحه اثر اصابته بالأنفلونزا التي اجتاحت العالم آنذك والتي لم تكتفي بتسريحه من الجيش بل كادت تضع حداً لحياته.

المعرض: قصة فيراري

باحثاً عن عمل، تقدم أنزو بطلب توظيف في شركة فيات الا أن طلبه هذا جوبه بالرفض، وبعد محاولات عدة تمكن أخيراً من الحصول على فرصة عمل لدى شركة سيارات صغيرة تدعى CMN عمل لديها كسائق تجارب تنحصر مهماته بإختبار هياكل السيارات خلال الانتقال بها من المصنع الى ورش المصممين، الا أن شغف السباقات بقي يداعب مخيلة أنزو حتى تمكن عبر علاقته الجيدة بأحد النافذين لدى شركة ألفا روميو من الحصول على  مقعد للتسابق ضمن برنامج الشركة الذي يهدف الى إشراك بعض سيارات الانتاج التجاري بعد إخضاعها لتعديلات تسمح لها بخوض السباقات في نسخة العام 1920 من سباق تارجا فلوريو، وهناك تمكن أنزو من إحراز المركز الثاني وبالتالي فتح أبواب عالم السباقات المثير أمامه.

وفي العام 1923 واثر الانتصارات التي حققها خلال السباقات التي كانت تقام على حلبة سيفوسي في رافينا، كان له لقاء بوالدي أحد أبطال الحرب العالمية الأولى الكونت فرانشيسكو باراكا، وبفضل إعجاب السيد والسيدة باراكا بشجاعة أنزو قررا تكريمه عبر السماح له بأن  يتخذ من شعار الحصان الجامح شعاراً لسياراته، علمًا أن الشعار هذا كان يزين طائرة البطل باراكا خلال المعارك الجوية التي خاضها دفاعاً عن الأجواء الايطالية ، فانتقل هذا الشعار الى سيارات أنزو التي كانت ولا تزال ترفع اسم ايطاليا الى ارتفاعات ومقامات أعلى بكثير مما تمكن فرانشيسكو نفسه من الوصول اليها.

IMG_3164

وبعد سلسلة من الانتصارات والنجاحات، وبعد أن رُزق بإبنه الأول ألفريدو، أو دينو كما درجت العادة على تسميته، شعر أنزو أن أدائه في السباقات بدأ بالتراجع الأمر الذي  دفعه الى اعادة النظر بخوضها فهو الذي كان يعتبر أن أي سائق يخسر ثانية كاملة من وقته على الحلبات مع كل طفل يرزق به، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن صعود نجم السائق تازيو نوفولاري الذي رأى فيه أنزو موهبة فذة قد لا تتوفرلديه، فهو أيضاً الذي لا طالما ردد أن السائق الذي لا يملك موهبة القيادة بالفطرة عليه البقاء في المنزل، لذا واستناداً الى هذين الأمرين قرر أنزو الانكفاء عن السباقات وتأسيس فريق سكودريا فيراري الذي تفرغ لإدارته من مكتبه الكائن ضمن المصنع الذي أسسه في مدينة مارانيلو تاركاً مهمة التواجد على الحلبات لمساعديه الذين كان يتابع عملهم عبر الهاتف.

لم تتأخر بوادر نجاح هذه الخطوة بالظهور حيث سطَرت احدى سيارات فيراري أولى انتصاراتها في سباقات الفورمولا 1 خلال جائزة بريطانيا الكبرى في العام 1951 على يد السائق الأرجنتيني فرولان غونزالز من ثم كرَت سبحة الانتصارات عبر عقود وعقود حتى بلغت رقماً قياسياً تتفرد به فيراري حالياً ويبلغ 238 انتصار خلال أكثر من 1000 سباق خاضها الفريق حتى موعد كتابة هذه السطور.

IMG_6850

تزامناً مع انتاج السيارات المخصصة للسباقات، أولت فيراري أهمية كبيرة لانتاج سيارات رياضية مخصصة للطرقات وفرت لها الشركة كل ما يلزم للتفوق والتفرد عبر تزويدها بأجسام خارجية لطالما اعتُبرت بمثابة تحف فنية أكثر منها مجرد وسائل نقل، كما أنَ مقاربة فيراري لهذا الأمر اختلفت عن السائد لدى الغير من الصانعين لأن الهدف الذي سعت ورائه فيراري هو انتاج هذه السيارات وبيعها من ثم استثمار الأرباح التي تجنى منها في تمويل مجهودات فريق السباق وليس العكس لأن شغف السباقات هو وحده ما يحرك فيراري ويؤثر على قراراتها.

أما لهوليوود وفيراري فقصة أخرى، فكما أنتجت مدينة السينما الأميركية عبر تاريخها العديد من النجوم الذين أبهرونا بمواهبهم الفذة، كذلك فإنَ نجمات فيراري الميكانيكية لطالما شاركتهم هذا المجد، فمن منا لا يذكر المحقق الخاص توماس ماغنوم وهو ينطلق بفيراري 308 GTS على طرقات جزيرة هاواي الساحرة في مهماته الساعية الى كشف المجرمين، أو الملازم سوني كروكيت في مسلسل ميامي فايس على صهوة فيراري تستاروسا بيضاء، ونيكولاس كايج ملاحقاً شون كونري على متن فيراري 355 سبايدر في فيلم الصخرة، فارس بيولر هارباً من مقاعد الدراسة الى أحضان فيراري كاليفورنيا، وأخيراً وليس آخراً الممثلة الأميركية الشهيرة أنغرد برغمان التي صممت لها فيراري سيارة خاصة أُطلق عليها تسمية 375 MM أنغرد برغمان.

IMG_3137

بالاضافة الى نجوم هوليوود ورغبتهم بسيارات فيراري، لا بد أن نذكر أيضاً كل من الملك فاروق الذي دفعه اعجابه بسيارات الحصان الجامح الى اختيار احداها كسيارته الوحيدة التي لم يرضى الإستغناء عنها رغم كل المصاعب التي واجهته خلال سنواته الأخيرة التي قضاها في منفاه الأوروبي، وأيضاً الملك حسين الذي امتلك العديد من طرازات فيراري النادرة، هذا بالاضافة الى السلطان حسن بروناي الذي صممت له فيراري بناء على طلبه وطبعاً مقابل الملايين من الجنيهات العديد من السيارات المعدلة حسب ذوقه.

وفي الختام، وبعد مرور أكثر من 34 سنة على رحيل أنزو عن دنيانا هذه، ولأن فيراري هي أسطورة ولأن هذه الأسطورة هي الحلم الذي نذر حياته من أجله ولأن فيراري الحلم تبقى أهم من فيراري الرجل، فإن هذا الحلم يستريح اليوم في أيدٍ أمينة تحت رعاية إدارة حكيمة  لها الفضل الأكبر بجعل حصان فيراري أكثر جموحاً ولون سيارتها أكثر احمراراً عبر العديد من الانتصارات التي تحققت، وهنا قد لا نكون نتحدث عن الإنتصارات  داخل الحلبات فقط بل خارجها أيضًا، إذ إن الانتصار الكبير الذي تحقق خارج الحلبات كان ولا يزال التطور التكنولوجي التي تتمتع به سيارات فيراري المخصصة للطرقات والتي تُعتبر اليوم خير ما زود بأربع عجلات.